فخر الدين الرازي

484

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

على الكبيرة بعد التوبة ، لأن معنى كونه قابلا للتوب ليس إلا ذلك ، فلو كان المراد بكونه غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافرا للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث : أن قوله غافِرِ الذَّنْبِ مذكور في معرض المدح العظيم ، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح ، وذلك هو كونه غافرا للكبائر قبل التوبة ، وهو المطلوب . الصفة الثانية : قوله تعالى : قابِلِ التَّوْبِ وفيه بحثان : الأول : في لفظ التوب قولان : الأول : أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة ، والثاني : أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش ، قال المبرد يجوز أن يكون مصدرا يقال تاب يتوب توبا وتوبة مثل قال يقول قولا وقولة ، ويجوز أن يكون جمعا لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل . الثاني : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل ، وليس بواجب على اللّه ، وقالت المعتزلة إنه واجب على اللّه واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلا للتوب على سبيل المدح والثناء ، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل ، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات . الصفة الثالثة : قوله شَدِيدِ الْعِقابِ وفيه مباحث : البحث الأول : في هذه الآية سؤال وهو أن قوله شَدِيدِ الْعِقابِ يصلح أن يكون نعتا للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتا للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش ، ولا تقول مررت بعبد اللّه شديد البطش ، وقوله اللّه اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفا للنكرة ؟ قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غدا ، وإنما أريد / ثبوت ذلك ودوامه ، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش ، وأما شَدِيدِ الْعِقابِ فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة ، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه الأول : أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج : 14 - 16 ] والثاني : قال الزجاج إن خفض شَدِيدِ الْعِقابِ على البدل ، لأن جعل النكرة بدلا من المعرفة وبالعكس أمر جائز ، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلا من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث : أنه لا نزاع في أن قوله غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ يحسن جعلهما صفة ، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار ، فكذلك قوله شَدِيدِ الْعِقابِ يفيد معنى الدوام والاستمرار ، لأن صفات اللّه تعالى منزّهة عن الحدوث والتجدد ، فكونه شَدِيدِ الْعِقابِ معناه كونه بحيث يشتد عقابه ، وهذا المعنى حاصل أبدا ، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك ، فهذا ما قيل في هذا الباب . البحث الثاني : هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل ، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه